
لم يعد خافياً أنّ المفاجآت الميدانية والإنجازات المتتالية التي تحقّقها المقاومة في جنوب لبنان بدأت تخلّف ضغوطاً وارتباكاً على المستويين السياسي والعسكري لدى كيان العدو الإسرائيلي.
في اليومين الماضيين، شهد المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر «الكابينت» مواجهات حادة حول مسألة القتال على الجبهة الشمالية مع حزب الله في ظل الهجمات الصاروخية المكثّفة والعدد القياسي لعملياته العسكرية.
سموتريتش: أنتم تجرّون أقدامكم في الشمال وحزب الله يديرنا
وفي هذا السياق، اتهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش المستوى العسكري بـ«التردد» وبتقديم خطط «تبدو جيّدة على الورق لكنها في الواقع ستحوّل السكان إلى لاجئين»، وقال: «أنتم تجرّون أقدامكم في الشمال، وحزب الله يديرنا». واعتبر أنّه «حان الوقت للتوقف عن الخوف من حرب شاملة وخلق حزام أمني داخل لبنان». وردّ رئيس الأركان إيال زامير بأنّ المستوى العسكري ينفّذ التوجيهات السياسية، قائلاً: «إذا كنتم تريدون حرباً شاملة فلتتخذوا القرار وسننفّذ، لكن لا تأتوا بادعاءات حول التباطؤ»
وبالتوازي مع مشهد الارتباك على المستوى العسكري والسياسي، تتزايد المخاوف لدى المستوطنين في الشمال من موجة نزوح جديدة بسبب تصاعد إطلاق الصواريخ من لبنان، ويعرب هؤلاء عن شعورهم بأنّ حكومة بنيامين نتنياهو تخلّت عنهم في ظل غياب الدعم الأمني والاقتصادي، ويطالبون بالاستجابة الفورية لاحتياجاتهم، ملوّحين بوقف دعمهم السياسي لنتنياهو إذا لم يتمّ توفير الحماية اللازمة لهم.
وفي هذا المجال، يكشف استطلاع أجرته صحيفة «معاريف» أنّ 53% من الإسرائيليين غير راضين عن الطريقة التي تدير بها الحكومة الحرب في مواجهة حزب الله.
53% من الإسرائيليين غير راضين عن الطريقة التي تدير بها الحكومة الحرب ضدّ حزب الله
ويقول شمعون كوهين (63 عاماً)، أحد مؤسسي مستوطنة كريات شمونة، إنّ صاروخاً سقط على بعد أربعة أمتار من منزله، متسبّباً بأضرار تقدّر بمئات آلاف الشواكل، محذراً من نزوح وشيك في حال استمرار الأوضاع على ما هي عليه.
ويشير كوهين، الذي يعمل وسيطاً عقارياً منذ أربعة عقود، إلى أن الحياة الاقتصادية في المستوطنة شبه مشلولة، في ظل غياب المشترين وتراجع الدخل إلى الصفر، لافتاً إلى أنه اضطر للاعتماد على القروض بسبب عدم حصوله على تعويضات حتى الآن.
في إطار متصل، يرى آفي أشكينازي، المحلل والمراسل العسكري في صحيفة «معاريف» الإسرائيلية أنّ حزب الله يهدف من خلال تكثيف هجماته على الحدود الشمالية إلى خلق ضغط على المستوطنين، معتبراً أنّه كان على وزارة الدفاع إعداد البلدات الحدودية مسبقاً عبر تأمين ملجأ محصّن لكل منزل.
وبحسب أشكينازي، فإنّ إيران وحزب الله يعتمدان على عدد من الخطوات التكتيكية، أهمها محاولة كسر «الصمود» الإسرائيلي. وينتقد، في المقابل، التحركات الإسرائيلية الحالية معتبراً أنّ إسرائيل لا تدير حرباً حقيقية في لبنان وأنّ هناك «كثيراً من الضجيج وقليلاً من الأفعال».
ويقول مراسل «معاريف» إنّ على الحكومة الإسرائيلية أن تحدّد للجيش مهامَّ وأهدافاً ومؤشرات وجداول زمنية»، معتبراً أنّه كان من المتوقع أن يتحرّك الجيش الإسرائيلي «بسرعة ويضرب بقوة، ويمارس ضغطاً على البيئة الشيعية الداعمة لحزب الله، وعلى الحكومة اللبنانية التي تخشاه»، وفق تعبيره. ويرى أنّ «التقدم إلى خطوط دفاع أمامية خطوة صحيحة، لكنها غير كافية، ولن تُزيح حزب الله من مكانه».
«حزب الله يتمتّع بقدرة عالية على البقاء وليس من السهل القضاء عليه، وإذا كان ما زال يملك 10 آلاف أو 15 ألف صاروخ، فهذا يكفي لجعل حياة سكان الشمال جحيماً لسنوات»
وفي تقرير بعنوان «ما هو العلاج الجذري للمشكلة في لبنان؟»، يرى موقع «البحث الاستراتيجي» العبري أنّ مهمة القضاء على حزب الله «ضخمة» وأنّه «لن يختفي أو يحلّ في هذه الجولة»، معتبراً أنّ «ما يمكن فعله حالياً هو السيطرة على المنطقة حتى نهر الليطاني أو على معظمها والقضاء على وجود حزب الله في عشرات الكيلومترات قرب الحدود وتأمين الحدود الشمالية من الصواريخ قصيرة المدى والغزو البري».
وعلى الجبهة نفسها، يقول أوريل لين في صحيفة «معاريف» إنّ توسيع نطاق الحرب ضدّ حزب الله في هذه المرحلة يعدّ خطأً إسرائيلياً نموذجياً «فهو يعكس نشوة السلطة، وعدم مراعاة تطورات الحرب المستقبلية»، معتبراً أنّ حزب الله «يتمتّع بقدرة عالية على البقاء وليس من السهل القضاء عليه، وإذا كان ما زال يملك 10 آلاف أو 15 ألف صاروخ، فهذا يكفي لجعل حياة سكان الشمال جحيماً لسنوات». ويعتبر أنّه «كان من الصواب تأجيل الحرب واسعة النطاق ضد حزب الله بدلًا من تقسيم قواتنا الجوية بين إيران وحزب الله، كان من الأفضل توجيهها بالكامل نحو إيران». ويرى أنّه «يجب عدم تفويت ما تعرضه فرنسا اليوم، وهو التفاوض مع الحكومة اللبنانية، حتى وإن لم تكن النتائج ملموسة»، معتبراً أنّه بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية «سنتمكن من تركيز قوتنا للقضاء على حزب الله». ووفق لين، فإنّ «سكان الشمال هم الضحايا الحقيقيون للتوسع الهائل في القتال ضد حزب الله»، وإنّ الدولة أخفقت في أداء واجبها تجاههم.
كشف مصدر أمني رفيع لموقع «واللا» الإسرائيلي تفاصيل جديدة حول «الاستراتيجية» التي يقودها وزير الدفاع يسرائيل كاتس داخل لبنان ضد حزب الله، مشيراً إلى أنّها تقوم على «إنشاء منطقة أمنية لا يتمكن فيها حزب الله من تهديد بلدات الشمال بنيران مباشرة، مثل القنص وإطلاق الصواريخ المضادة للدروع، وكذلك قذائف الهاون، ومنع أي إمكانية لعمليات تسلل برية».
وقال المصدر إنّه تمّ تنفيذ ما وصفه بـ«قطع المحاور» «لتسريع السيطرة ومنح الجيش الإسرائيلي حرية عمل، مع خلق أدوات ضغط كبيرة على الحكومة اللبنانية وحزب الله». وأضاف أنّ «الهدف هو نزع سلاح حزب الله بالكامل في جنوب لبنان»، مشيرًا إلى أنّ «العملية البرية تُستخدم كأداة ضغط دولية لتفكيك سلاح التنظيم في كل لبنان».
كما شدد المصدر على أن «السياسة الحالية التي رسمها كاتس تمنع بشكل كامل عودة السكان الشيعة إلى جنوب لبنان، وهو ما يُنظر إليه كأداة ضغط استراتيجية كبيرة على حزب الله، خاصة في ظل عجز التنظيم عن إيجاد حلول سكنية، مع تفاقم الظروف الجوية».